حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
155
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
على الفعل فأيّ فائدة فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب ؟ أو نقول : لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح ، وهذا يقتضي الجبر . ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية ، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال . قلت - وباللّه تعالى التوفيق - : عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات ، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادرا على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل . فالهداية والضلالة ، والإيمان والكفر ، والخير والشر ، والنفع والضر ، وسائر المتقابلات ، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته . والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله تعالى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] كثيرة . وكذا الأحاديث « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 1 » « كل شيء بقدر حتى العجز والكيس » « 2 » « احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى » « 3 » الحديث . فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل ، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف . أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول : لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح ، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك . بل الوجه أن يقال : إن للّه تعالى صفتي لطف وقهر ، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك . ولا سيما ملك الملوك ، كذلك ، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ، ومن منع ذلك كابر وعاند . ولا بد لكل من الوصفين من مظهر ، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف ، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر ، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها ، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها . وهاهنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر ،
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب تفسير سورة 92 باب 3 - 5 ، 7 . مسلم في كتاب القدر حديث 6 - 8 . أبو داود في كتاب السنّة باب 16 . الترمذي في كتاب القدر باب 3 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 10 . ( 2 ) رواه مسلم في كتاب القدر حديث 18 . الموطأ في كتاب القدر حديث 4 . أحمد في مسنده ( 2 / 110 ) . ( 3 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 31 . مسلم في كتاب القدر حديث 13 . أبو داود في كتاب السنّة باب 16 ، 17 . الترمذي في كتاب القدر باب 2 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 10 .